الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

222

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

هو الإبل لأنها وسيلة الأسفار قال تعالى : وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذرياتهم فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ [ يس : 41 ، 42 ] وقد قالوا : الإبل سفائن البر . وجيء بفعل جَعَلَ مراعاة لأن الفلك مصنوعة وليست مخلوقة ، والأنعام قد عرف أنها مخلوقة لشمول قوله : خَلَقَ الْأَزْواجَ إياها . ومعنى جعل اللّه الفلك والأنعام مركوبة : أنه خلق في الإنسان قوة التفكير التي ينساق بها إلى استعمال الموجودات في نفعه فاحتال كيف يصنع الفلك ويركب فيها واحتال كيف يروض الأنعام ويركبها . وقدم الفلك على الأنعام لأنها لم يشملها لفظ الأزواج فذكرها ذكر نعمة أخرى ولو ذكر الأنعام لكان ذكره عقب الأزواج بمنزلة الإعادة . فلما ذكر الفلك بعنوان كونها مركوبا عطف عليها الأنعام فصار ذكر الأنعام مترقبا للنفس لمناسبة جديدة ، وهذا كقول امرئ القيس : كأني لم أركب جوادا للذة * ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال ولم أسبإ الراح الكميت ولم أقل * لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال إذ أعقب ذكر ركوب الجواد بذكر تبطّن الكاعب للمناسبة ، ولم يعقبه بقوله : ولم أقل لخيلي كري كرة ، لاختلاف حال الركوبين : ركوب اللّذة وركوب الحرب . والركوب حقيقته : اعتلاء الدابّة للسير ، وأطلق على الحصول في الفلك لتشبيههم الفلك بالدابّة بجامع السير فركوب الدابة يتعدّى بنفسه وركوب الفلك يتعدّى ب ( في ) للفرق بين الأصيل واللاحق ، وتقدم عند قوله تعالى : وَقالَ ارْكَبُوا فِيها في سورة هود [ 41 ] . و مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ بيان لإبهام ما الموصولة في قوله : ما تَرْكَبُونَ . وحذف عائد الصلة لأنه متصل منصوب ، وحذف مثله كثير في الكلام . وإذ قد كان مفعول تَرْكَبُونَ هنا مبيّنا بالفلك والأنعام كان حق الفعل أن يعدى إلى أحدهما بنفسه وإلى الآخر ب ( في ) فغلّبت التعدية المباشرة على التعدية بواسطة الحرف لظهور المراد ، وحذف العائد بناء على ذلك التغليب . واستعمال فعل تَرْكَبُونَ هنا من استعمال اللّفظ في حقيقته ومجازه . والاستواء الاعتلاء . والظهور : جمع ظهر ، والظهر من علائق الأنعام لا من علائق الفلك ، فهذا أيضا من التغليب . والمعنى : على ظهوره وفي بطونه . فضمير ظُهُورِهِ عائد إلى ما الموصولة الصادق بالفلك والأنعام كما هو قضية البيان ، على أن السفائن